محمد بيومي مهران
407
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
الفصل الثّاني الوجود التّاريخي لموسى عليه السّلام من الغريب المؤلم أن شك شراح التوراة وعلماء اليهود لم يقتصر على جنسية كليم اللّه عليه السلام ، وإنما تجاوزه إلى الوجود التاريخي لموسى عليه السلام نفسه ، ولعل السبب في ذلك إنما هي التقاليد العجيبة التي اكتنفت شخصية موسى ، كما تبرز في نصوص التوراة ، فكأننا أمام تضارب تقييم ، شخصية صكت بني إسرائيل بعقد عميقة الجذور ، فهم عنها وإليها بين شد وجذب عنيفين . فالتفسيرات جميعا تكاد تتفق ، في سعي خبيث ، إلى التهوين من قدر موسى عليه السلام ، فأنبياء بني إسرائيل المتأخرون « 1 » ، دون غيرهم ، أصحاب الفضل في إرساء أركان الديانة - المتسامية بأخلاقياتها زعموا - ولا بأس من التسليم لموسى ، بأن كان علما على منعرج حاسم في تاريخ بني إسرائيل ، كفاه أن هيأ لهم بعقيدة اصطفاء ، أسبابا من تماسك وتلاحم ، تفسيرات تكاد تكون انعكاسا صادقا لما طرأ عبر العصور على كتابات اليهود ، فلا ذكر لموسى عليه السلام ، أو يكاد ، في الأصول التوراتية القديمة ، ولا تقع على اسمه إلا خطفا ، حتى في كتابات أنبياء القرن الثامن
--> ( 1 ) أنظر عن هؤلاء الأنبياء ( محمد بيومي مهران : النبوة والأنبياء عند بني إسرائيل - الإسكندرية 1978 ص 50 - 60 ) .